فخر الدين الرازي
38
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
تتزايد حتى ننتهي إلى الجزم . الثاني : أن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكة فكثرة الاستدلال بالدلائل المختلفة على المدلول الواحد جار مجرى تكرار الدرس الواحد ، فكما أن كثرة التكرار تفيد الحفظ المتأكد الذي لا يزول عن القلب ، فكذا هاهنا . الثالث : أن القلب عند الاستدلال كان مظلما جدا فإذا حصل فيه الاعتقاد المستفاد من الدليل الأول امتزج نور ذلك الاستدلال بظلمة سائر الصفات الحاصلة في القلب ، فحصل فيه حالة شبيهة بالحالة الممتزجة من النور والظلمة ، فإذا حصل الاستدلال / الثاني امتزج نوره بالحالة الأولى ، فيصير الإشراق واللمعان أتم . وكما أن الشمس إذا قربت من المشرق ظهر نورها في أول الأمر وهو الصبح . فكذلك الاستدلال الأول يكون كالصبح ، ثم كما أن الصبح لا يزال يتزايد بسبب تزايد قرب الشمس من سمت الرأس ، فإذا وصلت إلى سمت الرأس حصل النور التام ، فكذلك العبد كلما كان تدبره في مراتب مخلوقات اللَّه تعالى أكثر كان شروق نور المعرفة والتوحيد أجلى . إلا أن الفرق بين شمس العلم وبين شمس العالم أن شمس العالم الجسماني لها في الارتقاء والتصاعد حد معين لا يمكن أن يزاد عليه في الصعود ، وأما شمس المعرفة والعقل والتوحيد ، فلا نهاية لتصاعدها ولا غاية لازديادها فقوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إشارة إلى مراتب الدلائل والبينات ، وقوله : وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ إشارة إلى درجات أنوار التجلي وشروق شمس المعرفة والتوحيد . واللَّه أعلم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 76 إلى 79 ] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ( 76 ) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ( 77 ) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 78 ) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف » : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ عطف على قوله : قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ وقوله : وَكَذلِكَ نُرِي جملة وقعت اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه . المسألة الثانية : قال الواحدي رحمة اللَّه : يقال جن عليه الليل وأجنه الليل ، ويقال : لكل / ما سترته جن وأجن ، ويقال أيضا جنه الليل ، ولكن الاختيار جن عليه الليل ، وأجنه الليل . هذا قول جميع أهل اللغة ، ومعنى جَنَّ ستر ومنه الجنة والجن والجنون والجان والجنين والمجن والجنن والمجن ، وهو المقبور . والمجنة كل هذا يعود أصله إلى الستر والاستتار ، وقال بعض النحويين : جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ إذا أظلم عليه الليل . ولهذا دخلت « على » عليه كما تقول في أظلم . فأما جنه فستره من غير تضمين معنى ( أظلم ) . المسألة الثالثة : اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه ، فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد ، فحبلت أم إبراهيم به وما أظهرت حبلها للناس ، فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر ، فجاء جبريل عليه السلام ووضع إصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه وكان يتعهده جبريل عليه السلام ، فكانت الأم تأتيه أحيانا وترضعه